محمد بن جرير الطبري
110
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بها ليكون من الله عز وجل على وجل إذا ذكرها ، فيجد في طاعته إشفاقا منها ، ولا يتكل على سعة عفو الله ورحمته . وقال آخرون : بل ابتلاهم الله بذلك ليعرفهم موضع نعمته عليهم ، بصفحه عنهم وتركه عقوبته عليه في الآخرة . وقال آخرون : بل ابتلاهم بذلك ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء رحمة الله ، وترك الإياس من عفوه عنهم إذا تابوا . وأما آخرون من خالف أقوال السلف وتأولوا القرآن بآرائهم ، فأنهم قالوا في ذلك أقوالا مختلفة ، فقال بعضهم : معناه : ولقد همت المرأة بيوسف ، وهم بها يوسف أن يضربها أو ينالها بمكروه لهمها به ما أرادته من المكروه ، لولا أن يوسف رأى برهان ربه ، وكفه ذلك عما هم به من أذاها ، لا أنها ارتدعت من قبل نفسها . قالوا : والشاهد على صحة ذلك قوله : كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ قالوا : فالسوء : هو ما كان هم به من أذاها ، وهو غير الفحشاء . وقال آخرون منهم : معنى الكلام : ولقد همت به . فتناهى الخبر عنها ، ثم ابتدئ الخبر عن يوسف ، فقيل : وهم بها يوسف ، لولا أن رأى برهان ربه . كأنهم وجهوا معنى الكلام إلى أن يوسف لم يهم بها ، وأن الله إنما أخبر أن يوسف لولا رؤيته برهان ربه لهم بها ، ولكنه رأى برهان ربه فلم يهم بها ، كما قيل : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا ويفسد هذين القولين أن العرب لا تقدم جواب " لولا " قبلها ، لا تقول : لقد قمت لولا زيد ، وهي تريد : لولا زيد لقد قمت ، هذا مع خلافهما جميع أهل العلم بتأويل القرآن الذين عنهم يؤخذ تأويله . وقال آخرون منهم : بل قد همت المرأة بيوسف وهم يوسف بالمرأة ، غير أن همهما كان تمثيلا منهما بين الفعل والترك ، لا عزما ولا إرادة ؛ قالوا : ولا حرج في حديث النفس ولا في ذكر القلب إذا لم يكن معهما عزم ولا فعل . وأما البرهان الذي رآه يوسف فترك من أجله مواقعة الخطيئة ، فإن أهل العلم مختلفون فيه ، فقال بعضهم : نودي بالنهي عن مواقعة الخطيئة . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن عثمان بن أبي سليمان ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس : لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ قال : نودي : يا يوسف أتزني ، فتكون كالطير وقع ريشه فذهب يطير فلا ريش له حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن عيينة ، عن عثمان بن أبي سليمان ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس ، قال : لم يتعظ على النداء حتى رأى برهان ربه ، قال : تمثال صورة وجه أبيه قال سفيان : عاضا على أصبعه فقال : يا يوسف تزني ، فتكون كالطير ذهب ريشه ؟ حدثني زياد بن عبد الله الحساني ، قال : ثني محمد بن أبي عدي ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، قال : قال ابن عباس : نودي : يا ابن يعقوب لا تكن كالطائر له ريش ، فإذا زنى ذهب ريشه أو قعد لا ريش له قال : فلم يتعظ على النداء ، فلم يزد على هذا ، قال ابن جريج : وحدثني غير واحد ، أنه رأى أباه عاضا على أصبعه حدثني أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن نافع عن ابن عمر ، عن ابن أبي مليكة ، قال : قال ابن عباس : لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ قال : نودي فلم يسمع ، فقيل له : يا ابن يعقوب تريد أن تزني . فتكون كالطير نتف فلا ريش له ؟ حدثنا ابن حميد . قال : ثنا سلمة ، عن طلحة ، عن عمرو الحضرمي ، عن ابن أبي مليكة ، قال : بلغني أن يوسف لما جلس بين رجلي المرأة فهو يحل هميانه . نودي : يا يوسف بن يعقوب لا تزن ، فإن الطير إذا زنى تناثر ريشه فأعرض . ثم نودي فأعرض . فتمثل له يعقوب عاضا على أصبعه ، فقام حدثني المثنى ، قال : ثنا قبيصة بن عقبة ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس ، قال : نودي : يا ابن يعقوب لا تكن كالطير إذا زنى ذهب ريشه وبقي لا ريش له فلم يتعظ على النداء ، ففزع حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني عبد الله بن أبي مليكة ، قال : قال ابن عباس : نودي : يا ابن يعقوب لا تكون كالطائر له ريش ، فإذا زنى ذهب ريشه قال : أو قعد لا ريش له فلم يتعظ على النداء شيئا ، حتى رأى برهان ربه ، ففرق ففر حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن عيينة ، عن عثمان بن أبي